بقلم: أمال حسا
في موعدٍ فكري يمزج بين عبق التاريخ واستشراف المستقبل، احتضنت المدرسة العليا للأساتذة ندوة علمية متميزة تمحورت حول تساؤل جوهري: "أي أثر لخطاب المقاومة بالمغرب على المؤسسات التعليمية والشباب؟". الندوة التي شهدت حضوراً أكاديمياً لافتاً، أطرها الدكتور مصطفى الكثيري، المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، والذي قدم قراءة عميقة في دور الذاكرة التاريخية كرافعة للوعي الوطني.
افتتاح اللقاء: جسر بين التاريخ والممارسة التربوية
استُهل اللقاء بكلمة ترحيبية وتنسيقية قدمها السيد المدني شيخي، الذي أشاد بالمسار الحافل للضيف الكبير، مبرزاً أهمية هذا اللقاء في ربط الأجيال الصاعدة بملحمة الاستقلال. كما وجه الشكر للسيد خالد بروزي، مدير المدرسة العليا للأساتذة، على توفير هذا الفضاء الأكاديمي الذي يهدف إلى "جسر الهوة بين التاريخ الوطني والممارسة التربوية"، مؤكداً أن الذاكرة هي المادة الخام لصناعة المستقبل.
الذاكرة حصن للأمة ومستودع للمجد
بأدبٍ جمّ ونبرة وطنية صادقة، استفتح الدكتور الكثيري مداخلته بالتأكيد على أن "الذاكرة التاريخية هي المستودع الذي يحفظ للأمم مجدها، ويصون كرامتها". واستعرض الكثيري مهام المندوبية السامية منذ تأسيسها عام 1973، مشدداً على أن رسالتها تتجاوز الأرشفة إلى تثمين الذاكرة وإشاعة قيم المقاومة ومكارم الأخلاق في المجتمع المغربي، استحضاراً للمسيرة الحضارية الممتدة للمملكة.
تحصين الشباب: منظومة قيم لا تذوب
وفي تشخيصه لواقع الشباب في ظل العولمة، أكد المحاضر أن التحصين الحقيقي لا يتأتى إلا عبر "المؤسسة"، من خلال التربية على قيم المواطنة الحقة. ووصف هذه القيم بأنها مزيج دقيق بين الأبعاد المحلية والكونية، تضمن انفتاح المواطن المغربي على قيم السلام والتعايش دون التفريط في هويته الأصيلة.
"صيانة الذاكرة هي مسؤولية جماعية تتقاسمها المؤسسات التعليمية والثقافية والوطنية" — د. مصطفى الكثيري
من "بوكافر" إلى "ظهير 1930": دروس في الوحدة
لم تخلُ المحاضرة من استحضار النماذج البطولية التي بصمت تاريخ المغرب، حيث عرج الدكتور الكثيري على:
مقاومة عسو أوبسلام في معارك "بوكافر".
بطولات الشريف محمد أمزيان في الشمال.
صمود قبائل أيت عبد الله.
كما سلط الضوء على ذكاء العرش والشعب في مواجهة تقسيم المغرب إلى مناطق نفوذ متعددة، مشيراً بتقدير إلى نداء المغفور له محمد الخامس عام 1939 ضد النازية والفاشية، وإفشال "الظهير البربري" عام 1930 الذي حاول التمييز العنصري بين مكونات الشعب الواحد، فكانت اليقظة الوطنية له بالمرصاد.
توصيات من أجل خطاب تاريخي "جذاب"
اختتمت الندوة بخلاصات وتوصيات عملية، حيث دعا المندوب السامي إلى:
تطوير خطاب الذاكرة التاريخية ليصبح رصيناً وجذاباً للأجيال الصاعدة.
ربط المتعلم بقيم المواطنة الإيجابية والاعتزاز بالانتماء.
الاستفادة من تجربة "مدارس التعليم الحر" التي أسستها الأحزاب الوطنية لبناء المواطن.
انتهى اللقاء تاركاً صدىً قوياً لدى الحضور، مفاده أن المقاومة ليست مجرد صفحة مطوية في كتاب التاريخ، بل هي طاقة متجددة يجب أن تستوطن وجدان الشباب والمؤسسات التعليمية لضمان استمرار إشعاع المغرب الحضاري.