نظم ماستر حكامة وتدبير أنظمة التربية والتكوين بالمدرسة العليا للأساتذة بالرباط مائدة مستديرة علمية حول إشكالات اللغة العربية ومصطلح الحكامة، بمشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين. وفي هذا السياق، قدم الدكتور محمد السيدي أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط مداخلة علمية تناول فيها المنهجية الكفيلة بمواجهة إشكالية المصطلح، مؤكدا أن المدخل الأساس يقتضي العودة إلى النصوص في أصولها، والتمييز بين مستويات الخطاب، سواء كان خطابا مؤسسا أو مفسرا أو شارحا، مشيرا إلى أن الإشكال القائم يكمن في الاكتفاء غالبا بالخطاب الشارح على حساب النصوص المؤسسة. وأوضح أن هذا الخلل يظهر جليا في بعض الحقول المعرفية، كالدراسات اللسانية، حيث يعتمد عدد من الباحثين على قراءات غير مباشرة دون الرجوع إلى النصوص الأصلية، مما يؤدي إلى نقل غير دقيق للمعرفة وتضييع المعنى. وفي هذا السياق، شدد على أن التملك الحقيقي للمعرفة لا يتحقق إلا بالعودة إلى المصادر الأولى واستيعاب خلفياتها المعرفية والفلسفية. كما أبرز أهمية استحضار التطور التاريخي للنظريات، مستشهدا بالنظريات التوليدية، حيث انتقد اعتماد بعض الباحثين على ما نشر في سنوات حديثة مثل 2005 و2010، في مقابل إغفال النصوص المؤسسة، خاصة ما صدر سنة 1957، والتي تعد منطلقا أساسيا لفهم التحولات اللاحقة، مبرزا أن عدم الرجوع إلى هذه المرحلة التأسيسية يجعل فهم تطور المفاهيم ناقصا. وأكد أن إدراك المفاهيم يقتضي امتلاك أدواتها الأساسية، موضحا أن كل نسق معرفي يقوم على نظام مترابط وآليات دقيقة، كما هو الحال في الرياضيات، حيث يستحيل فهم البنيات المعقدة دون استيعاب القواعد الأولية المنظمة لها. وفي سياق حديثه عن المصطلح، أشار إلى أن الاشتغال المصطلحي يندرج ضمن علم قائم بذاته (Terminologie)، له فلسفته وضوابطه، مبرزا ضرورة الحرص على توحيد المصطلح وعدم إسناد أكثر من تسمية لمفهوم واحد، تفاديا للالتباس، خاصة في ظل التمييز بين اللغة الطبيعية المستعملة في التواصل، واللغة العلمية التي تتطلب دقة ووضوحا أحادي الدلالة. كما توقف عند إشكالية التعدد الدلالي، موضحا أن فهم المعنى يظل مرتبطا بالسياق والموقف التواصلي، حيث يمكن للفظ الواحد أن يحمل دلالات متعددة، مما يفرض ضرورة ضبط السياق لتفادي الغموض. وفي ختام مداخلته، شدد الدكتور السيدي على أهمية التمكن من لغات المصدر إلى جانب لغة الهدف، مؤكدا أن الترجمة ليست مجرد نقل لفظي، بل هي عملية تستلزم فهما عميقا للثقافة الأصلية قبل نقلها، بما يضمن دقة المعنى وسلامة التداول العلمي.