لسنا ضد المراقبة، ولسنا ضد كل إجراء يهدف إلى حماية نزاهة امتحانات الباكالوريا. بل إن محاربة الغش ضرورة لضمان تكافؤ الفرص. لكن الإشكال الحقيقي ليس في المبدأ، بل في طريقة التطبيق: كيف نراقب؟ ومتى؟ وبأي أثر على التلميذ؟ في السنوات الأخيرة، اختارت المنظومة التربوية مقاربة تميل إلى الصرامة التقنية، عبر اعتماد أجهزة للكشف عن الوسائل الإلكترونية. ورغم ما يبدو في ذلك من حرص على النزاهة، فإن هذا التوجه يختزل ظاهرة الغش في الهاتف والسماعة، متجاهلا أشكالا أخرى متعددة، تقليدية وذكية ما نسميه في اللغة العامية "التصغير"، لا يمكن لأي جهاز كشفها. لكن الأهم من ذلك، هو ما يحدث داخل قاعة الامتحان. التلميذ لا يدخل القاعة في وضع عادي. هو يدخل مثقلا بضغط “الباك”، هذا الامتحان الذي تحول في الوعي الجماعي إلى لحظة حاسمة تحدد المستقبل. داخل هذا السياق، هناك تلاميذ يعانون من التوتر، وآخرون يواجهون صعوبات في التحكم في القلق، بل وهناك من هو مريض نفسي أو جسديا.في هذه اللحظة الدقيقة، يكفي أحيانا أن يقف الأستاذ فوق رأس التلميذ، أو أن يتم تفتيشه أثناء إنجازه، حتى يختلط عليه التفكير ويضيع تركيزه. قد يعتقد الأستاذ أنه يقوم بواجبه فقط، لكنه لا يرى ما وراء ذلك: ضغط نفسي يتضاعف، وارتباك يزداد، وقدرة على الإجابة تتراجع. وهنا يتحول الامتحان من فرصة لإبراز الكفاءة إلى اختبار للأعصاب. المشكلة إذن ليست في المراقبة، بل في فلسفتها وتوقيتها. هل الهدف هو ضبط الغش فقط، أم ضمان ظروف عادلة ومتوازنة لكل التلاميذ؟ إذا كان لا بد من استعمال هذه الأجهزة، فلماذا لا يتم ذلك عند مدخل المؤسسة، قبل دخول القاعات؟ هناك يمكن تحقيق الردع دون المساس بالاستقرار النفسي للتلميذ. أما داخل القاعة، فيجب أن يكون التركيز على توفير جو هادئ يساعد على التفكير، لا على خلق توتر إضافي. ثم هناك سؤال أعمق ينبغي طرحه: لماذا يوجد الغش أصلا؟ نسمع اليوم عن “مدارس رائدة”، وعن مناهج تراعي مستوى التلاميذ، وعن إصلاحات تسعى إلى الجودة. لكن إن كان ذلك واقعا فعلا، فلماذا يستمر الغش؟ لماذا يلجأ إليه التلميذ؟ ولماذا يشعر البعض أن النجاح لا يتحقق إلا عبره؟ الغش ليس مجرد سلوك فردي، بل مؤشر على خلل أعمق: ضغط مجتمعي مبالغ فيه، تركيز على النقط بدل الكفاءات، وضعف في الإحساس بالإنصاف داخل المنظومة. لذلك، فإن مواجهته لا يمكن أن تكون تقنية فقط، بل تحتاج إلى مقاربة شمولية تربوية ونفسية. نعم للمراقبة، لكن في الوقت المناسب. نعم للصرامة، لكن دون أن تتحول إلى مصدر خوف. نعم لمحاربة الغش، لكن بشكل يعالج أسبابه لا فقط مظاهره. التلميذ ليس خصما ينبغي محاصرته، بل إنسان يحتاج إلى الثقة والطمأنينة. وحين ننجح في تحقيق هذا التوازن، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو امتحان نزيه وعادل.