يعيش عالمنا اليوم تحولات عميقة ومتسارعة بفضل الطفرة الرقمية التي يقودها الذكاء الاصطناعي، وهي طفرة لم تعد حبيسة المختبرات التقنية أو القطاعات الاقتصادية، بل امتدت لتلقي بظلالها على الحقل التربوي والمعرفي، معيدة صياغة طرق التعلم، وآليات إنتاج المعرفة، فضلاً عن الأدوار التقليدية للمدرسة والفاعلين التربويين. وفي خضم هذا الزخم، تأتي توصية المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بالمغرب كخطوة استباقية تدعو إلى صياغة إطار وطني موجه لدمج هذه التقنيات في المنظومة التعليمية، وهي التفاتة تعكس بلا شك وعياً مؤسساتياً بأهمية اللحظة التاريخية وضرورة تأطيرها. غير أن هذا الطموح النظري يفتح الباب على مصراعيه أمام نقاش مجتمعي وتربوي واسع يمحص مدى واقعية هذه التوجيهات وقابليتها للتطبيق الفعلي، في ظل بنية تحتية وطنية تعاني من تباينات مجالية حادة وفوارق صارخة بين الحواضر والأرياف. وتتجلى أولى هذه الفجوات عند تفكيك تشخيص المجلس لواقع الممارسة الرقمية؛ إذ تنطلق التوصية من فرضية أن الذكاء الاصطناعي أحدث غزواً فعلياً للفضاء التعليمي المغربي من خلال الاستعمال اليومي للهواتف الذكية والمنصات الرقمية من طرف التلاميذ والأساتذة. بيد أن هذا التقييم يبدو منحازاً لنموذج الحواضر الكبرى والمؤسسات الخصوصية أو النموذجية المجهزة، مغفلاً في الآن ذاته واقعاً سوسيواقتصادياً مريراً يعاني فيه العالم القروي والمناطق النائية من "أمية رقمية" مركبة، وغياب لأبسط مقومات التكنولوجيا كشبكات الإنترنت المستقرة أو حتى الربط الكهربائي؛ وهو ما يهدد بتحويل هذه التوصيات إلى تكريس لـ"طبقية رقمية" تعمق الفوارق التعليمية بدلاً من تقليصها، ما لم تُرفق بخطط تمويل وطنية عادلة وشجاعة. وفي شقها البيداغوجي، ترسم التوصية لوحة متوازنة تجمع بين الفرص الواعدة للذكاء الاصطناعي في تفريد التعلم ودعم التقييم والتعلم الذاتي، وبين التوجس من مخاطره كإضعاف الجهد الذهني الناشئ وتراجع كفايات القراءة والكتابة، ناهيك عن معضلات النزاهة الأكاديمية والتبعية الثقافية. وهنا تبرز مفارقة بيداغوجية حقيقية؛ إذ كيف يمكن الموازنة بين تشجيع الاستقلالية الرقمية وتفادي الوقوع في فخ الاتكالية الذهنية والحلول الجاهزة؟ إن التحذير من غياب النزاهة وهيمنة الثقافات الغربية على الخوارزميات سيظل مجرد صيحة في واد، ما لم يرافقه استثمار حقيقي في برمجيات محلية قادرة على رصد الانتحال الرقمي باللغتين العربية والأمازيغية، وتطوير "نماذج لغوية مغربية كبيرة" تضمن السيادة الرقمية وتخرج المنظومة من جلباب المستهلك السلبي إلى المنتج الفاعل. ويمتد هذا التناقض بين الطموح والواقع إلى المقاربة المتدرجة التي اقترحها المجلس تيدأ بالحماية في الابتدائي لتصل إلى تمكين طلبة التعليم العالي من مهن المستقبل، وتأكيده على إعادة صياغة دور المدرس ليصبح موجهاً وميسراً لا ناقلاً للمعلومة. غير أن هذا التصور المثالي يصطدم مباشرة بواقع المعلم المغربي؛ إذ تطالبه التوصية بمهام بالغة التعقيد ككشف تحيزات الخوارزميات وتنمية التفكير النقدي، في وقت يعاني فيه نظام التكوين الأساس والمستمر من ضعف بنيوي في مواكبة أبسط الكفايات الرقمية. كما أن إقحام الذكاء الاصطناعي ككفاية مستعرضة وسط مناهج دراسية مثقلة بالمواد ومحكومة بضيق الزمن المدرسي، يمثل عبئاً إضافياً لم تقدم التوصية أي حلول عملية لتخفيفه أو إعادة هيكلته. وعلى المستوى الاستراتيجي، ركزت الوثيقة على قيم الإنصاف والسيادة الرقمية، داعية لتدخل عمومي عاجل يفرز "إطاراً مرجعياً" وهيئة وطنية للتنسيق والتتبع. وهنا يقع المقترح في فخ البيروقراطية المؤسساتية عبر الدعوة لإنشاء مجالس جديدة قد تتداخل اختصاصاتها مع مؤسسات قائمة كوكالة التنمية الرقمية، في حين كان الأولى توجيه الجهد والمال نحو تفعيل الآليات الحالية وضخ الموارد مباشرة في المدارس. كما غلب على هذا الشق الاستراتيجي الطابع الإنشائي الفضفاض والنوايا الحسنة، مغفلاً تقديم أجندة زمنية دقيقة أو الكشف عن غلاف مالي تقديري يدعم البحث العلمي المحلي المرتبط بالسياق المغربي. وفي المحصلة، يمكن القول إن وثيقة المجلس الأعلى للتربية والتكوين تمثل "إعلان مبادئ" ممتاز وصياغة نظرية متطورة تواكب العصر، لكنها تنطوي على فجوة سحيقة بين بلاغة التشخيص وعقم الواقع الميداني للمدرسة المغربية. إن الرهان الحقيقي لا يكمن في إبهار الساحة التربوية بشعارات التحديث التكنولوجي، بل في توجيه هذا التحول لخدمة مشروع مجتمعي عادل؛ فالذكاء الاصطناعي لن يكون طوق نجاة للمنظومة التعليمية إلا إذا تم التعامل معه كامتداد لإصلاح جذري وشامل يبدأ بتأهيل البنية التحتية والارتقاء بأوضاع العنصر البشري، وليس كمظلة تكنولوجية براقة تُغطى بها الاختلالات الهيكلية القديمة التي ما زالت تؤرق جسد التعليم المغربي.