تقرير حول رسالة ماستر: الحكامة الرقمية في مؤسسات التعليم العالي المغربية: بين النجاعة المؤسسية وحماية البيانات الشخصية
البحث من إعداد الباحثة: سميحة الحجوجي
المؤسسة: جامعة محمد الخامس بالرباط، المدرسة العليا للأساتذة بالرباط
يشهد الحقل الجامعي المغربي تحولات بنيوية متسارعة تفرض الانتقال التدريجي نحو نموذج "الجامعة الذكية"، حيث أضحت الرقمنة دعامة استراتيجية لتجويد الخدمات البيداغوجية والإدارية، وتحسين نجاعة التدبير، وتيسير الولوج إلى الموارد والمعارف. غير أن هذا التحول الرقمي يصاحبه تدفق متزايد ومكثف للمعطيات الشخصية الخاصة بالطلبة والأساتذة والأطر الإدارية، مما يطرح تحديات معقدة تتعلق بسبل تأمين هذه المعطيات وضمان حمايتها من الاستعمال غير المشروع أو التسريب. وتتحدد الإشكالية المركزية للبحث في مدى قدرة المؤسسة الجامعية على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات "النجاعة الرقمية" وضرورة احترام الخصوصية القانونية كحق من الحقوق الأساسية للأفراد، موازاة مع تساؤلات حول جاهزية المنظومة الجامعية بنيوياً وبشرياً وتنظيمياً لمواكبة هذه التحولات في إطار قانوني وأخلاقي سليم.
وينبع الاهتمام بهذا الموضوع من دافعين؛ دافع ذاتي يكمن في الرغبة في تعميق الفهم بآليات حماية المرتفق الرقمي داخل الفضاء الجامعي واستيعاب مخاطر التحول الرقمي ، ودافع موضوعي يرتبط بضرورة مواءمة الممارسات الميدانية للمؤسسات الجامعية مع الترسانة القانونية الوطنية (وعلى رأسها القانون 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي) وكذا المعايير الدولية لاسيما النظام الأوروبي العام لحماية البيانات (GDPR)، بما يضمن تعزيز الثقة الرقمية وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة. وتتفرع هذه الإشكالية إلى تساؤلات تبحث في كيفية تأثير مستوى حماية البيانات الشخصية على النجاعة المؤسسية وجودة الخدمات الرقمية الجامعية ، ومدى تقاطع تدابير الحكامة الرقمية مع الالتزامات القانونية تجاه اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) ، ومستوى وعي الفاعلين الجامعيين بحقوقهم الرقمية ومخاطر الهشاشة التقنية ، بالإضافة إلى آفاق تطوير نموذج حكامة يضمن "السيادة المعطياتية" داخل هذه المؤسسات.
ولمعالجة هذه القضية العلمية، استندت منهجية البحث إلى مقاربة مختلطة تزاوج بين البعدين النظري والتطبيقي:
• المنهج الوصفي التحليلي: ووُظف لتحليل الإطار المفاهيمي للتحول الرقمي والجامعة الذكية، ودراسة الترسانة القانونية المنظمة لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي وطنياً ومقارناً عبر تفكيك النصوص التشريعية واستجلاء مضامينها ومدى ملاءمتها للسياق الجامعي المغربي.
• منهج دراسة الحالة: وجرى تطبيقه ميدانياً بالمدرسة العليا للأساتذة بالرباط عبر أداة الاستبيان لجمع المعطيات، بهدف تقييم مستوى الوعي الرقمي لدى الفاعلين، وتحليل التدابير الإدارية والتقنية المعتمدة لحماية المعطيات، والوقوف على الإكراهات القائمة.
وقد كشف التشخيص الميداني والتحليلي عن جملة من النتائج الرئيسية الدالة:
• على المستوى القانوني والإداري: سجلت الدراسة وجود فجوة ملحوظة بين التنظير القانوني والممارسة اليومية؛ إذ تتم بعض عمليات معالجة المعطيات دون التقيد الصارم بمبدأي "الموافقة الصريحة" و"الشفافية" نتيجة غموض بعض المساطر أو ضعف آليات التتبع والمراقبة.
• على مستوى الوعي الرقمي: ظهر تباين واضح في تمثلات الفاعلين للمخاطر الرقمية بين إدراك متقدم لدى فئة محدودة وضعف ملحوظ لدى فئات أخرى، وهو قصور يُعزى أساساً إلى محدودية برامج التكوين المستمر والتحسيس.
• على مستوى الحكامة: رُصد غياب أو محدودية إحداث وظائف وهيئات متخصصة داخل الهياكل الجامعية تُعنى حصرياً بتدبير ومراقبة حماية المعطيات، مثل مسؤول حماية البيانات (DPO)، مما يؤثر سلباً على فعالية الحكامة الرقمية ويحد من التنسيق والامتثال القانوني.
وتأسيساً على هذه النتائج، صاغت الدراسة حزمة من التوصيات العملية لتعزيز حماية المعطيات وترسيخ حكامة رقمية فعالة:
1. مأسسة حماية البيانات: عبر إحداث وحدة أو وظيفة متخصصة كمسؤول حماية البيانات (DPO) داخل الجامعات تتولى مهام التتبع والمراقبة والتنسيق الدائم مع اللجنة الوطنية (CNDP).
2. إرساء الثقافة الذكية المسؤولة: من خلال إدماج مجزوءات تكوينية حول "الأخلاقيات الرقمية" و"حماية المعطيات الشخصية" في مسارات تكوين الأطر والطلبة، ودعمها ببرامج تحسيسية مستمرة.
3. تطوير إطار تشريعي داخلي: عبر إعداد "ميثاق أخلاقي رقمي" خاص بالمؤسسة الجامعية يحدد بدقة ضوابط جمع ومعالجة واستعمال المعطيات الشخصية ويؤطر سلوك مختلف الفاعلين لتعزيز الشفافية والثقة الرقمية.
وتخلص الدراسة في ختامها التركيبي إلى أن تحقيق التحول نحو جامعة ذكية لا ينبغي أن ينحصر في توظيف التكنولوجيا وتطوير البنيات الرقمية فحسب، بل يتطلب أساساً إرساء حكامة رقمية متوازنة تجعل من الرقمنة وسيلة لخدمة الغايات الأكاديمية مع ضمان صون كرامة المرتفق وحماية حقوقه الرقمية داخل بيئة جامعية آمنة، منصفة، ومسؤولة.
• الكلمات المفتاحية: الحكامة الرقمية - حماية المعطيات الشخصية - القانون 09.08 - الجامعة المغربية - الخصوصية الرقمية - مقتضيات GDPR.
حرره الأستاذ(ة):
ذ. محمد غزالي