بقلم الطالبة الباحثة مرية العامري هي عدة تساؤلات تطرح ولها عدة إجابات مختلفة حسب السن والجنس والسياق الاجتماعي والثقافي الذي تشرب منه كل فرد خلال تنشئته الاجتماعية، سواء الأولية منها أو الثانوية والتي تستمر طيلة حياته. لم يعد الجواب واحد ووحيد لسؤال واحد في زمن تعددت فيه الآراء واختلفت فيه الأفكار. ظاهرة الغش اليوم تنذر بأمر خطير، هذه الظاهرة التي انتشرت بين صفوف التلاميذ اليوم هي بوادر لأزمة مجتمعية حقيقية وجب دراستها بشكل جدي، ومعرفة نوع التربية التي يتم فيها غرس جذورها ونمت وترعرعت حتى أصيحت صلبة وشامخة. فبالرغم من الحلول التي يتم بها ردع الغش أو الحد منه. لم نتوقع المخاطر التي تنتج عن هذه الحلول، أما آن الأوان للتصدي للظاهرة بشكل وقائي منذ البداية؟ إن الغش اليوم يمكن اعتباره ظاهرة اجتماعية بامتياز لها روابط وثيقة بالأسر كمؤسسة اجتماعية، البعض منها تملص من مسؤولياته في تربية الأطفال على القيم والأخلاق النبيلة كالصدق والأمانة، ما يعني أن هناك خرقا للمعايير الاجتماعية التي تنظم حياتنا كمغاربة. يبدو لي من خلال معاينة امتحانات البكالوريا لهذه السنة وإجراء مقابلات مع بعض التلاميذ والتلميذات، أن تزويد الأسر لأبنائها وبناتها بالهواتف دون رقابة أو مراقبة وبدون أدنى توجيه، لم يتم استغلاله بشكل إيجابي للرفع من مستوى التعلمات بل تم استعماله للترفيه والترويح عن النفس طيلة السنة الدراسية، وهم في سبات عميق، حاضرون بأجسادهم في الحصص الدراسية وعقولهم غائبة. يملون بسرعة لأنهم أدمنوا التفاهة عبر المحتوى الذي يتابعونه على وسائل التواصل الاجتماعي. وبالنسبة لهم، الهاتف له إيجابيات تخدم مصلحتهم عن طريق الغش في الامتحانات لتحصيل النقط من أجل النجاح لإرضاء الوالدين. هناك مفارقة غريبة بين الممارسة والحلم، فهم لا يجتهدون في العمل، لكن يرغبون في الحصول على الشهادة، بغية إرضاء الوالدين فقط. ولذلك وجب إيلاء هذا الأمر اهتماما أكثر بإجراء دراسات وبحوث ميدانية للكشف عن الميكانيزمات والآليات التي تغذي هذه النوعية من الأفكار التي أصبحت متداولة بشكل عادي لدى هذا الجيل. إن محاربة ظاهرة الغش داخل المؤسسات التعليمية أعمق بكثير مما يمكن تصوره، و لذا فمن أولوياتنا القصوى إعادة النظر في البنيات الاجتماعية و الثقافية، و العلاقات التي تسود بينها و بين الأفراد و فيما بينهم، فمن خلال الملاحظة الميدانية يمكن اعتبار الغش كظاهرة اجتماعية بامتياز، باتت تشكل بناءا اجتماعيا تتداخل فيه مجموعة من العلاقات منها ما هو اقتصادي، و ما هو ثقافي و ما هو اجتماعي، و لتفكيكه سيستغرق الأمر جهودا و زمنا ليس بالقصير، و ذلك ليس للهدم فقط بل لإعادة بناء و ترميم ما يمكن إصلاحه و تعديله في التنشئة الاجتماعية الثانوية، من خلال تنمية المهارات الحياتية التي تجعل الفرد قادرا على تقبل الفشل كما النجاح، و جعل الأول هو الحجر الأساس للوصول إلى النجاح. إن التحولات التي نعيشها اليوم تفرض على كل فرد، من موقعه ومسؤوليته، بذل جهود متواصلة في تنمية ذاته وتكوين أفراد أسرته ومحيطه، من أجل سد الفراغ القيمي والتربوي الذي أصبحت الوسائط الرقمية، وعلى رأسها الهواتف الذكية، تشغل جزءاً كبيراً منه لدى الأجيال الناشئة. إنه لتحد صعب المنال لكن بالإرادة الفردية والجماعية سيصبح سهل بلوغ المراد.