لا يختزل إصلاح منظومة التربية والتكوين في معالجة الاختلالات التي تظهر داخل المؤسسات التعليمية، ولا في تكثيف الإجراءات الرامية إلى الحد من آثارها. فالإصلاح، في بعده العميق، يقتضي مساءلة الآليات والممارسات التي تؤطر المسار الدراسي للمتعلم، والبحث عن بدائل أكثر استجابة للتحولات التربوية والاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي.
وفي سياق النقاش المتواصل حول إصلاح المدرسة المغربية، وما يرتبط به من مشاريع قوانين ونصوص تشريعية مؤطرة للمنظومة، تبرز أفكار ومقترحات جديرة بأن تكون موضوع نقاش مؤسساتي وتربوي رصين. وينطلق هذا المقال من قناعة مفادها أن الإصلاح لا ينبغي أن يقف عند مواجهة النتائج، بل يتعين أن يمتد إلى مراجعة الآليات التي قد تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنتاج هذه الاختلالات. ويتناول المقال محورين الا وهما فلسفة الامتحان والوقاية من الانقطاع المدرسي.
أولا: من المقاربة الأمنية لمحاربة الغش إلى إعادة التفكير في فلسفة الامتحان
تبذل جهود معتبرة لمحاربة الغش في الامتحانات، تقوم على تشديد المراقبة واعتماد إجراءات تنظيمية وأمنية متعددة. غير أن هذه الجهود تطرح سؤالا جوهريا: ألا يجدر بنا أن نعيد النظر في طبيعة الامتحان ذاته، بدل الاكتفاء بتطوير وسائل مراقبته؟
يرتكز الامتحان التقليدي، في جانب مهم منه، على استرجاع المعلومات وحفظها، وهو ما يجعل الغش مغرياً ما دامت المعلومة المحفوظة هي معيار النجاح. ومن هنا يمكن التفكير في الانتقال إلى نمط من التقويم يستثمر قدرات المتعلم على التحليل والتركيب وإبداء الرأي وتوظيف المكتسبات . وفي هذا الإطار، يمكن النظر في اعتماد امتحانات تسمح للمتعلمين بالاستعانة بمراجع ومصادر معرفية أثناء الاختبار، شريطة أن تصاغ الأسئلة صياغة مركبة تستدعي الفهم العميق، والربط بين المعارف، وتحليل المعطيات، وتوظيفها في وضعيات جديدة ولن ينجح عندئذ الا المتمكن.
ففي هذا النموذج، لا يكون مجرد امتلاك المعلومة كافيا لتحقيق نتيجة جيدة، بل تصبح القدرة على استثمارها وتحليلها وإنتاج إجابة شخصية ومعللة أساس التقويم. وبذلك ننتقل من امتحان يقيس ما يتذكره المتعلم إلى امتحان يكشف ما يستطيع فعله بما تعلمه.
ولا يعني ذلك التخلي عن المعارف الأساسية أو التقليل من شأنها، وإنما إعادة الاعتبار إليها من خلال قياس القدرة على توظيفها. وقد يشكل هذا التوجه مدخلا لتطوير منظومة التقويم والحد من بعض مظاهر الغش، دون الارتهان إلى مقاربة أمنية تتطلب مجهودات تنظيمية ورقابية متواصلة.
ثالثا: من معالجة الانقطاع المدرسي إلى استباقه عبر التوجيه نحو التكوين المهني
لا ينبغي انتظار مغادرة المتعلم للمؤسسة التعليمية للبدء في التفكير في مستقبله. فالمعطيات التي تعتمد عليها الجهات المختصة في إعداد الخريطة المدرسية والتخطيط التربوي يمكن أن تتيح استباق بعض حالات الانقطاع والتكرار.
ومن هذا المنطلق، يقترح اعتماد آلية استباقية لتحديد المتعلمين المهددين بالانقطاع أو التكرار، وإعداد لوائح بشأنهم على مستوى المؤسسات التعليمية والمديريات الإقليمية، بما يسمح بفتح مسارات بديلة أمامهم وهم لا يزالون مسجلين بالمدرسة. ويتمثل المقترح في تمكين هؤلاء المتعلمين من الالتحاق بمؤسسات التكوين المهني وفق رغباتهم وميولاتهم، عبر آلية للتوجيه والتسجيل المباشر بلوائح تتضمن اسماء التلاميذ ، بما يضمن انتقالهم إلى مسار تكويني مؤهل قبل وقوع الانقطاع.
غير أن نجاح هذا التصور يظل رهينا بتوسيع العرض التكويني لمؤسسات التكوين المهني ليشمل مختلف الأقاليم، حتى لا يرتبط الولوج إلى هذه المسارات بمكان إقامة المتعلم أو بقربه من مؤسسات التكوين. كما يتطلب تنسيقا مؤسساتيا بين قطاع التربية الوطنية وقطاع التكوين المهني، بما يضمن استمرارية المسار التعليمي والتكويني. ويقتضي الأمر كذلك تأطيرا تنظيميا دقيقا يحفظ حرية اختيار المتعلم، ويمنع تحويل مؤشرات التعثر إلى مبرر للإقصاء من التعليم المدرسي.
فالغاية ليست دفع المتعلمين إلى خارج المدرسة، وإنما توسيع خياراتهم وضمان ألا يجدوا أنفسهم خارج التعليم وخارج التكوين معا، في غياب بدائل تؤطر مستقبلهم. ومن شأن هذا التوجه أن يسهم في الحد من بعض المظاهر الاجتماعية المرتبطة بوجود أطفال ويافعين في الشارع دون مسار تعليمي أو تكويني.
وختاما تلتقي هذه المقترحات ، على اختلاف مجالاتها، عند فكرة محورية: ضرورة الانتقال من منطق معالجة الاختلالات بعد وقوعها إلى منطق استباقها ومراجعة الآليات المؤطرة لها. فمحاربة الغش قد تستدعي إعادة بناء فلسفة الامتحان، والحد من آثار الانقطاع المدرسي يستلزم توفير مسارات بديلة قبل مغادرة المتعلم للمؤسسة.
ولا تدعي هذه المقترحات أنها حلول نهائية أو بدائل جاهزة للتنزيل، وإنما تطرح أفكارا قابلة للدراسة والتقييم والتطوير، في إطار النقاش حول مشاريع إصلاح منظومة التربية والتكوين وما تقتضيه من مراجعات تشريعية وتنظيمية وتدبيرية. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد الإجراءات المتخذة لمواجهة المشكلات، بل بمدى القدرة على إعادة النظر في أسبابها، وبناء منظومة تضع المتعلم في صلب القرار التربوي، وتضمن له فرصا أوسع للتعلم والاختيار والتكوين والإدماج.
حرره الأستاذ(ة):
سامية أخوادر
مساحة التفاعل والتقييم
زائر
2026/10/31 10:51
????????????????